أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
265
التوحيد
والثاني أن الآية في التفضيل بين المحتمل للغفران والذي لا يحتمل ، فإذا صرفت إلى الصغائر بطل تخصيص اسم الشّرك ، وتلبيس على السامع محله ، وليس أمر الوعيد فيما جاء بموضع التفضيل ، بل الذي جاء بحق التفضيل ذكر الغفران بالتكفير ، والتكفير يكون بمقابلة الجزاء من حسنات أو عقوبات كقوله تعالى : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ [ النساء : 31 ] واللّه الموفق . والثالث أنه قال : " لمن يشاء " وهذا كناية عن الأنفس المغفورات لا عن الآثام التي تغفر ، لم يجز صرف التخصيص إلى الآثام بالآية المكنّى بها عن الأنفس ، وفي آيات الوعيد تحقيق في الذي جاءتهم وفيما جاء على ما قيل لا صرف في ذلك فهو أولى ، واللّه الموفق . وبعد ، فإنه قال : " لمن شاء " ، والصغائر عندكم مغفورة بالحكمة لا بالوعد ، والآية في التعريف ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم قالت المعتزلة : صاحب الصغيرة إذا أصرّ عليها يصير صاحب كبيرة ، والإصرار على ذلك الفعل ليس هو لزومه ؛ لأنه لا فعل يمكن لزومه حتى لا يتحول منه إلى غيره ، فليس إذا الإصرار إلا ترك التوبة والندامة عليه ، وكل الذنوب من الشرك وغيره مغفور بالتوبة عنها والندامة عليها ، فيبطل على قولهم حق هذه الآية من التفضيل بين الشرك وما دونه ، وحق الآية الأخرى من التفضيل بين الكبائر وما دونها ، ويحصل على أن كل ذنب يوجب الخلود إلا أن يتاب عنه ، وذلك بيّن لمن تأمله ، ولا قوة إلّا باللّه . وقال قائل : إذا كان كل خلاف للّه فهو مما دعا إليه الشيطان ويسرّ به لو فعل ، لم لا صار ذلك طاعة له ، ومن فعل فعلا لطاعة الشيطان يكفر أو يصير به عابدا له ؛ إذ ذلك منه وضع شرع مقابل لشرع اللّه وداع إليه ، ومن عبد الشيطان فقد بيّن اللّه منازل عبّاد الشيطان . قال أبو منصور رحمه اللّه : ليست هذه المسألة للخوارج والمعتزلة لإقرارهم في الأنبياء بالزلل والأخيار ، لكنها لبعض الموسوسين ، يوسوس إليهم الشيطان هذا ؛ ليكفرهم بهذا ؛ إذ ذلك معلوم أنه من تزيين الشيطان وما دعا إليه ، فيصيرون على قولهم مطيعين له كفار ، نسأل اللّه العصمة عنه . ثم نقول في ذلك بوجوه : أحدها أن ليس في ذلك طاعة للشيطان وإن كان هو يسرّ به ويتلذذ لشؤم طبعه وسوء اختياره ؛ إذ لم يكن الذي يتعاطاه بفعله لأمره ودعائه إليه ، والطاعة هي التي تؤدي على الأمر لا على ما يسر ويتلذذ ؛ لأن للعباد فيما أعطاهم اللّه الشهوات لذات وسرورا ، ومحال وصف اللّه بالطاعة لهم ، أو يمكن الأمر منهم إياه بالفعل ، دلّ أنّ ليس ذلك الوجه هو سبيل معرفة الطاعة ، ولا قوة إلّا باللّه .